محمد بن جرير الطبري
117
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإذْ كان الأمر - على ما وصفنا ، من إخراج العرب مصادرَ الأفعال على غير بناء أفعالها - كثيرًا ، وكان تصديرها إياها على مخارج الأسماء موجودًا فاشيًا ( 1 ) ، فبيِّنٌ بذلك صوابُ ما قلنا من التأويل في قول القائل " بسم الله " ، أن معناه في ذلك عند ابتدائه في فعل أو قول : أبدأ بتسمية الله ، قبل فعلي ، أو قبل قولي . وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القرآن : " بسم الله الرحمن الرحيم " ، إنما معناه : أقرأ مبتدئًا بتسمية الله ، أو أبتدئ قراءتي بتسمية الله . فجُعِل " الاسمُ " مكان التسمية ، كما جُعل الكلامُ مكان التكليم ، والعطاءُ مكان الإعطاء . وبمثل الذي قلنا من التأويل في ذلك ، رُوِي الخبر عن عبد الله بن عباس . 139 - حدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عُمَارة ، قال : حدثنا أبو رَوْق ، عن الضحاك ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أوّل ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال : " يا محمد ، قل : أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم " ، ثم قال : " قل : بسم الله الرحمن الرحيم " . قال ابن عباس : " بسم الله " ، يقول له جبريلُ : يا محمد ، اقرأ بذكر الله ربِّك ، وقم واقعد بذكر الله . ( 2 ) وهذا التأويل من ابن عباس ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنه يراد بقول القائل مفتتحًا قراءته : " بسم الله الرحمن الرحيم " : أقرأ بتسمية الله وذكره ، وأفتتح القراءة بتسمية الله ، بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَى - ويوضح فسادَ قول من زعم أن معنى ذلك من قائله : بالله الرحمن الرحيم أوّلِ كلِّ شيء ( 3 ) ، مع أن العباد
--> ( 1 ) أراد بقوله : " تصديرها " : أي جعلها مصادر تصدر عنها صوادر الأفعال ، وذلك كقولك : ذهب ذهابًا ، فذهب صدرت عن قولك " ذهاب " ، ويعمل عندئذ عمل الفعل . وعنى أنهم يخرجون المصدر على وزن الاسم فيعمل عمله ، كقولك " الكلام " هو اسم ما تتكلم به ، ولكنهم قالوا : كلمته كلامًا ، فوضعوه موضع التكليم ، وأخرجوا من " كلم " مصدرًا على وزن اسم ما تتكلم به ، وهو الكلام ، فكان المصدر : " كلامًا " . ( 2 ) الحديث 139 - مضى هذا الخبر وتخريجه ، برقم 137 . ( 3 ) قوله : " يوضح " ساقطة من المطبوعة . وفيها مكان : " أول كل . . . " ، " في كل . . " .